![]() |
|
|||||||
| جناح الثقافة والفنون مختارات مميزة في الثقافة والفكر. |
الإهداءات |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | طرق مشاهدة الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
يعتبر جبران خليل جبران من الأدباء الذين أثروا فن المراسلة عند العرب بما تركه من رسائل لفتت نظر الباحثين وأثارت فضولهم فولجوا عبرها إلى عالم جبران المليء بالرموز والأسرار .. لقد فتح جبران فتحاً جديداً ورائعاً في دنيا الأدب العربي، عندما تحول عن التأليف بالعربية ألى التأليف بالأنجليزية.. حتى لمع أسمه في كثير من الدول الأجنبية. وفي هذا الموضوع أود أن أسلّط الضوء على الحب الذي نشأ بين جبران ومي زيادة حب فريد لامثيل له في تاريخ الأدب، أو في سير العشاق .. مثال للحب النادر المتجرد عن كل ماهو مادي وسطحي . لقد دامت تلك العاطفة بينهما زهاء عشرين عاماً، دون أن يلتقيا الاّ في عالم الفكر والروح، والخيال الضبابي إذ كان جبران في مغارب الأرض مقيماً وكانت مي في مشارقها؛ كا ن في امريكا وكانت في القاهرة .. لم يكن حب جبران وليد نظرة فابتسامة فسلام فكلام، بل كان حباً نشأ و نما عبر مراسلة أدبية طريفة، ومساجلات فكرية وروحية ألفت بين قلبين وحيدين، وروحين مغتربين، ومع ذلك كانا أقرب قريبين و أشغف حبيبين . كان طبيعياً جداً أن يتعارف بطلا هذا الحب عن طريق الفكر والنشر في اوائل هذا القرن، بعد ان أصاب كل منهما شهرة كبيرة .. كانت مي معجبة بمقالات جبران وافكاره فبدأت بمراسلته عقب أطلاعها على قصته ( الأجنحة المتكسرة ) التي نشرها في المهجر عام 1912م؛ كتبت له تعرب عن أعجابها بفكره واسلوبه، وتناقش اراءه في الزواج وقيوده، والحب و أطواره حسب رؤيته في هذه القصة التي قرأتها له ... وتعرض عليه رأيها في وجهة نظره في حرية المرأه التي طالب بها والتي اتفقت معه في أمر وعارضته في جانب آخر، حيث قالت " لايصح لكل أمرأه لم تجد في الزواج السعادة التي حلمت بها أن تبحث عن صديق غير زوجها فلا بد أن تتقيد المرأه بواجبات الشراكه الزوجية تقيداً تام حتى لو هي سلاسل ثقيله، فلو توصل الفكر الى كسر قيود الأصطلاحات والتقاليد فلن يتوصل الى كسر القيود الطبيعة لأن أحكام الطبيعيه فوق كل شيء، وهذه تعتبر خيانة ولو في مظهرها طاهر وتخون الهيأة الأجتماعيه التي هي عضو عامل فيها " ومن هنا كانت البدايه ومن ثم تواصل بالرسائل التي كان كل منهما يبحث عن روح الآخر في يقظته وأحلامه، كان كل منهما يسعى لرؤية ذاته في روح صاحبه حتى لكأن تلك الروح هي المرآة التي ينعكس على صفحتها نور الأخر .. وكلما قرأنا هذه الرسائل النابضة بالحياة الناضحة بالصدق، كلما أزددنا يقيناً بأن الحب الذي شد جبران الى مي، وشغف مي بجبران، حب عظيم، بل عشق يكاد يكون صوفياً لأنه تخطى حدود الزمان والمكان والحواس الى عالم تتحد فيه قوة الوجود . ويتضح لنا لدى التأمل في بعض الرسائل برغم ضياع بعضها أن الصله بين جبران ومي توثقت شيئاً فشيئاً لأن لهجته في مخاطبتها تدرّجت من التحفظ الى التودد، ومن الأعجاب الى صداقه حميمه، ومن ثمَ الى حب عام 1919م ما أن بلغ ذروته حتى عكرت صفوه سلسله من الخلافات بينهما التي عبّر عنها جبران مرةً فقال: "هي معاكسات التي تحوّل عسل القلب إلي مراره " ان الغريب حقاً في هذه الصله تأرجحها بين الحب الجامح والفتور، بين التفاهم التام الذي كان يضفي عليهما شفافيه روحيه تغمرهما بالسعاده ,وبين سوء التفاهم الذي كان يؤلمهما ويؤدي الى القطيعه احياناً، ولكن شدة ولع كل منهما الآخر كانت تدفعهما للتصالح مجدداً.. وبرغم كل هذا الحب كان كل منهما يخشى التصريح بعواطفه فيلجأ جبران للتلميح، ويرمز إليها ويضع عبارات وصور مبتكره وجميله .. فلم ينادي مي قط بقوله "حبيبتي" ولم يخاطبها باللغه المألوفه للعشاق، غير أنه عبّر عن حبه بما هو أبلغ عندما قال أنت تحيين فيّ، وانا أحيا فيكِ " ووصف علاقته بها " بأنها أصلب وأبقى بما لا يقاس من الروابط الدمويه والأخلاقيه " وبعد أن باح لها، رجاها ان تطعم النار رسالته اذا لم تجد لبوحه الصدى المرجوا في نفسها .. كانت مي في حياة جبران الصديقه، والحبيبه الملهمه , وصلة الوصل بينه وبين وطنه، وأكثر ما أحبه فيها عقلها النيّر الذى تجلى في مقالاتها وكتبها، وأحب فيها حبها له .. واعجابها بشخصيته وانتاجه الأدبي والفني الذي كانت تتناوله بالتقريظ والنقد في مقالاتها في مصر ... وعلى الرغم من كل ماكُتب عن علاقات جبران الغراميه من النساء امثال " ماري هاسكل " وميشلين " فأن حبه لمي كان الحب الوحيد الذي ملك قلبه وخياله ورافقه حتى نهاية حياته فقد كان حبه لها معادلاً حبه العارم لوطنه لبنان ..ولروحانية الشرق، وبالدم العربي الذي يجري في عروقه، وهذا مما تؤكده رسائل الشعله الزرقاء، التي هي جوهر النفس الأنسانيه في أسمى صفائها، ويميل المحللون للأعتقاد بأنه لم يكن يفكر في الزواج لاعتلال في صحته منذ شبابه، ولا ريب ان مي احبت جبران حباً جعل المقارنه بينه وبين الذين خطبوا ودّها أمراً مستحيلاً، برغم تردد مي في الأعراب عن مشاعرها وخشيتها في الأنطلاق على سجيتها في مراسلته، وذلك بسبب ان جبران كان يعيش في عالم متطور تحررت نساؤه من التقاليد، وحيث أن مي كانت مغلولة القلب والقلم بتأثير البيئه التي عاشت فيها .. وبرغم انها جعلت من بيتها صالوناً أدبياً يلتقي فيه كل ثلاثاء رجال الأدب والفكر امثال احمد لطفي السيد وخليل مطران وطه حسين وعباس محمود العقاد وغيرهم من الأدباء والمفكرين ... لقد تمنى جبران ان تتحرر مي من عقدها النفسية وشكوكها ! مي عانت صراعاً نفسياً حاداً في حبها لجبران سبّب لها الشقاء ولجبران العذاب والأرهاق، وحين تجاوزت الخامسة والثلاثين من العمر لملمت كل شجاعتها وكتبت أجمل رسالة حب .. من جبران لمي نيويورك 2 كانون الثاني 1914 حضرة الأديبة الفاضلة. قد فكرت بأمور كثيرة في تلك الشهور الخرساء التي مرت بدون خطاب ولا جواب ولكنه لم يخطر على بالي كونك " شريرة" أما الآن وقد صرّحت لي بوجود الشر في روحك فلا يجمل بي سوى تصديقك فأنا أصدق وأثق بكل كلمة تقولينها لي ! أنت بالطبع تفتخرين بقولك – أنا شريرة – ويحق لك الافتخار لأن الشر قوة تضارع الخير بعزمها وتأثيرها . ولكن اسمحي لي أن أقول لك مصرحاً بأنك مهما تماديت بالشر فلا تبلغين نصف ما بلغته فأنا شرير كالأشباح الساكنة في كهوف الجحيم بل أنا شرير كالروح السوداء التي تحرس أبواب الجحيم ! وأنت بالطبع ستصدقين كلامي هذا !. غير أنني للآن لم أفهم الأسباب الحقيقية التي دعتك إلى استخدام الشر ضدي فهلا تكرمت بافهامي ؟ قد أجبت على كل رسالة تكرمت بها عليّ واسترسلت متعمقاً بمعاني كل لفظة تعطفت بهمسها في أذني فهل هناك أمر آخر كان يجب عليّ أن أفعله ؟ أو لم تبدعي لي من " لا شيء" ذنباً لتبيني لي مقدرتك على الاقتصاص ؟ لقد فلحت وأحسنت البيان , أما أنا فقد آمنت باقنومك الجديد الكلي المطلق الجامع بين أسياف " كالي" ربة الهند وسهام " ديانا" معبودة الأغريق . والآن وقد فهم كل منا ما في روح الآخر من الشر والميل إلى الاقتصاص فلنعد إلى متابعة الحديث الذي ابتدأنا به منذ عامين . كيف أنت وكيف حالك ؟ هل أنت بصحة وعافية ( كما يقول سكان لبنان )؟ هل خلعت ذراعاً ثانية في الصيف الماضي أم منعتك والدتك من ركوب الخيل فعدت إلى مصر صحيحة الذراعين ؟ أما أنا فصحتي أشبه شيء بحديث السكران وقد صرفت الصيف والخريف متنقلاً بين أعالي الجبال وشواطئ البحر ثم عدت إلى نيويورك أصفر الوجه نحيل الجسم لمتابعة الأعمال ومصارعة الأحلام – تلك الأحلام الغريبة التي تصعد بي إلى قمة الجبل ثم تهبط بي إلى أعماق الوادي . وقد سررت باستحسانك مجلة الفنون فهي أفضل ما ظهر من نوعها في العالم العربي , أما صاحبها فهو فتى عذب النفس دقيق الفكر وله كتابات لطيفة وقصائد مبتكرة ينشرها تحت اسم " ليف" ومما يستدعي الإعجاب بهذا الشاب هو أنه لم يترك شيئاً مما كتبه الافرنج إلا وعرفه حق المعرفة . أما صديقنا أمين الريحاني فقد ابتدأ بنشر رواية جديدة طويلة في مجلة فنون وقد قرأ لي أكثر فصولها فوجدتها جميلة للغاية ولقد أخبرت صاحب الفنون بأنك سوف تبعثين إليّ بمقالة ففرح وبات يترقب . بكل أسف أقول انني لا أحسن الضرب على آلة من آلات الطرب ولكنني أحب الموسيقى محبتي الحياة ولي ولع خاص بدرس قواعدها ومبانيها والتعمق بتاريخ نشأتها وارتقائها , فان ابقتني الأيام سأكتب رسالة طويلة في الدوائر العربية والفارسية وكيفية ظهورها وتدرجها وتناسخها . ولي ميل للموسقى الغربية يضارع ميلي للأنغام الشرقية فلا يمر أسبوع إلا وأذهب مرة أو مرتين إلى الأوبرا غير أني أفضل من البيان الموسيقي الأفرنجي تلك المعروفة بالسنفوني والسوناتا والكنتاتا على الأوبرا والسبب في ذلك خلوّ الأوبرا من البساطة الفنية التي تناسب أخلاقي وتتمايل مع أميالي . واسمحي لي الآن أن أغبط يدك على عودك وعودك على يدك وأرجوك أن تذكري اسمي مشفوعاً باستحساني كلما ضربت نغم النهوند على الأوتار فهو نغم أحبه ولي رأي فيه يشابه رأي " كارليل في النبي محمد ". ( كارلايل : أديب ومؤرخ انكليزي درس بعضا من العربية في جامعة كمبردج سنة 1795 وكتب عن النبي محمد فصلا ضمنه إعجابه بشخصيته البطولية في مؤلفه " الأبطال , عبادة الأبطال , والبطولة في التاريخ " وهلا تكرمت بذكري أمام هيبة أبي الهول ؟ عندما كنت في مصر كنت أذهب مرتين في الأسبوع واصرف الساعات الطوال جالساً على الرمال الذهبية محدقاً بالأهرام وكنت في ذلك العهد صبياً في الثامنة عشرة ذا نفس ترتعش أمام المظاهر الفنية ارتعاش الأعشاب أمام العاصفة , أما أبو الهول فكان يبتسم لي ويملأ قلبي بحزن عذب وندبات مستحبة . أنا معجب مثلك بالدكتور شميل فهو واحد من القليلين الذين انبتهم لبنان ليقوموا بالنهضة الحديثة في الشرق الأدنى وعندي أن الشرقيين يحتاجون إلى أمثال الدكتور شميل حاجة ماسة كرد فعل للتأثير الذي أوجده الصوفيون والمتعبدون في القطرين مصر وسوريا . هل قرأت الكتاب الفرنساوي الذي وضعه خير الله افندي خير الله ؟ أنا لم أره بعد وقد أخبرني صديق أن في الكتاب فصل عنك وفصل آخر عني فإذا كان لديك نسختان تكرمي بإرسال نسخة منهما إليّ وأجرك على الله . ها قد انتصف الليل فليسعد الله مساءك ويبقيك للمخلص . جبران خليل جبران يتبع ...
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
جبران .. لقد كتبت كل هذه الصفحات لأتحايد كلمة الحب .. ان الذين لايتاجرون بمظهر الحب يُنمّي الحب في أعماقهم قوة ديناميكية رهيبة قد يغبطون الذين يوزعون عواطفهم في اللاء السطحي لأنهم لايقاسون ضغط العواطف التي لم تنفجر، و يفضّلون تضليل قلوبهم عن ودائعها، والتلهي بما لاعلاقه له بالعاطفة، يفضلون أي غربة، وأي شقاء، وهل من شقاء وغربه في غير وحدة القلب ؟ على الإكتفاء بالقطرات الشحيحة. مامعنى هذا الذي اكتبه ؟ اني لا أعرف ماذا أعني به، ولكني أعرف انك " محبوبي " ، وأني أخاف الحب، أقول هذا مع علمي بأن القليل من الحب كثير .. الجفاف و القحط واللا شيء بالحب خير من النزر اليسير .. كيف أجسر على الأفضاء اليك بهذا، وكيف أفرّط فيه ؟ لا أدري، الحمدلله اني اكتبه على ورق ولا أتلفّظ به، لأنك لو كنت حاضراً بالجسد لهربت خجلاً بعد هذا الكلام، ولاختفيت زمناً طويلاً ، فما أدعك تراني الا بعد أن تنسى .. حتى الكتابة ألوم نفسي عليها احياناً لأني بها حرة كل هذه الحريه .. قلي ما إذا كنت على ضلال أو هدى .. فأني أثق بك، وأصدق بالبداهة كل ما تقول ..! وسواء كنت مخطئة فان قلبي يسير اليك، وخير ما يفعل هو أن يظل حائماً حواليك.. يحرسك ويحنو عليك .. غابت الشمس وراء الأفق ومن خلال الأشكال والألوان حصحصت نجمة لامعة واحدة هي الزهرة .. اترى يسكنها كأرضنا بشر يحبون ويتشوقون ؟ ربما وُجد فيها من هي مثلي، لها جبران واحد، تكتب إليه الأن والشفق يملأ الفضاء وتعلم ان الظلام يخلف الشفق وان النور يتبع الظلام وأن الليل سيخلف النهار والنهار سيتبع الليل مرات كثيره قبل أن ترى الذي تحبه .. فتتسرب اليها كل وحشة الشفق ، و كل وحشة الليل، فتلقي القلم جانباً لتحتمي من الوحشة في إسم واحد : جبران !. ماري زيادة وكانت هذه الرسالة تصوّر مي العاشقة أبلغ تصوير .. مما أفرح جبران بتجاوبه معها، و هذا الموضوع سأتناول عدة رسائل تمثّل جبران خليل جبران و مي زيادة ليس فقط للروعة الأدبية في الرسائل .. و وصف لأجمل مشاعر حب خالد سيبقى اسطورة، بل لأنها تحتوي على أدب في فن المراسلة .. تستحق الأضطلاع عليها . أما الرسائل سيتم اختصار بعض منها لأن فيها احداث قد لاتهم القارىء مثل تطرقه للدين مثلاً، وسيتم عرض الجانب الأدبي منها للأستفادة والأطلاع، وتصوير مدى العلاقة الروحية التي مر بها الطرفان . يتبع رد جبران ... :91: ![]() بعد التصحيح الإملائي والتنقيح
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
العزيزة ميرفت : اسعد الله اوقاتك بكل خير وصياما مقبولا بتمعن شديد قرأت هذه الأسطر التي من خلال قراءتها ينتاب المرء تداخل في مشاعره وتفاعل كبير ، لما حملت من مشاعر غاية في الصدق ، مشاعر ابتدأت بعفوية تامة ، فالقدر عندما يتدخل تكون له كلمته العليا ، وذلك ما حدث بين( جبران ومي زيادة )وكل في مكان بعيد عن الآخر تفصل بينهما المسافات الشاسعة لكن هذا لم يمنع من أن يعيشا أجمل قصة حب ، وأصدقها ، قصة حب لم أعرف مثلها في العصر الحديث فهي تشبه كثيرا الحب العذري أوالأفلاطوني أو ما كان يسمى بالحب السامي الذي يترفع عن الماديات حب لأجل الحب ، فيه الإخلاص والوفاء والالتزام رغم ثبات موقعه ، أعجبتني هذه المقاطع اقتطعتها من النص لما فيها من معاني رائعة فعلا لهذا حب سرمدي ========================= الحب الذي نشأ بين جبران ومي زيادة حب فريد لامثيل له في تاريخ الأدب، أو في سير العشاق .. مثال للحب النادر المتجرد عن كل ماهو مادي وسطحي . =====================لم يكن حب جبران وليد نظرة فابتسامة فسلام فكلام، بل كان حباً نشأ و نما عبر مراسلة أدبية طريفة، ومساجلات فكرية وروحية ألفت بين قلبين وحيدين، وروحين مغتربين، ومع ذلك كانا أقرب قريبين و أشغف حبيبين . ======================حيث قالت " لايصح لكل أمرأه لم تجد في الزواج السعادة التي حلمت بها أن تبحث عن صديق غير زوجها فلا بد أن تتقيد المرأه بواجبات الشراكه الزوجية تقيداً تام حتى لو هي سلاسل ثقيله، فلو توصل الفكر الى كسر قيود الأصطلاحات والتقاليد فلن يتوصل الى كسر القيود الطبيعة لأن أحكام الطبيعيه فوق كل شيء، وهذه تعتبر خيانة ولو في مظهرها طاهر وتخون الهيأة الأجتماعيه التي هي عضو عامل فيها " ======================= ان الغريب حقاً في هذه الصله تأرجحها بين الحب الجامح والفتور، بين التفاهم التام الذي كان يضفي عليهما شفافيه روحيه تغمرهما بالسعاده ,وبين سوء التفاهم الذي كان يؤلمهما ويؤدي الى القطيعه احياناً، ولكن شدة ولع كل منهما الآخر كانت تدفعهما للتصالح مجدداً.. وبرغم كل هذا الحب كان كل منهما يخشى التصريح بعواطفه فيلجأ جبران للتلميح، ويرمز إليها ويضع عبارات وصور مبتكره وجميله .. ========================= وكم لفتني تعبير الرائعة مي هنا من خلال طريقة اعترافها : مامعنى هذا الذي اكتبه ؟ اني لا أعرف ماذا أعني به، ولكني أعرف انك " محبوبي " ، وأني أخاف الحب، أقول هذا مع علمي بأن القليل من الحب كثير .. الجفاف و القحط واللا شيء بالحب خير من النزر اليسير .. كيف أجسر على الأفضاء اليك بهذا، وكيف أفرّط فيه ؟ لا أدري، الحمدلله اني اكتبه على ورق ولا أتلفّظ به، لأنك لو كنت حاضراً بالجسد لهربت خجلاً بعد هذا الكلام، ولاختفيت زمناً طويلاً ، فما أدعك تراني الا بعد أن تنسى .. حتى الكتابة ألوم نفسي عليها ما أجمل هذه الكلمات الرقيقة الخجلة الصادقة هي في أيامنا نادرة بل هي الاستثناء بحد ذاته شكرا حبيبتي لهذا النقل والاختيار فعلا هي صحة مميزة وتستحق شخصياتها ان تاخذ هذا الحيز من
الاهتمام ، لك مني كل التقدير والحب
__________________
![]() القلب محبرة الوجد ~ ~ الحرف يُشعل الرماد زوروني في مدونتي اللؤلؤة شكر خاص للراقي شاكر السلمان التعديل الأخير تم بواسطة : سفانة بنت ابن الشاطئ بتاريخ 08-26-2010 الساعة 07:10 AM |
|
#4
|
||||
|
||||
|
الأخت العزيزة سفانة اشكر مرورك المتأني بهذه الرسالة، و التمعن بها، تحليلها، سعيدة بمرورك من هنا، و أن الموضوع اعجبكِ، و بانتظارك لبقية الرسائل بين مي و جبران، و بين مي والعقاد بموضوع مستقل. ![]() ارق تحياتي
__________________
|
|
#5
|
||||
|
||||
من جبران إلى مي نيويورك 26 شباط 1924 نحن اليوم رهن عاصفة ثلجية جليلة مهيبة، وأنت تعلمين يا ماري أنا أحب جميع العواصف وخاصة الثلجية، أحب الثلج، أحب بياضه، وأحب هبوطه، وأحب سكوته العميق. وأحب الثلج في الأودية البعيدة المجهول حتى يتساقط مرفرفاً، ثم يتلألأ بنور الشمس، ثم يذوب ويسير أغنيته المنخفضة. أحب الثلج وأحب النار، وهما من مصدر واحد، ولكن لم يكن حبي لهما قط سوى شكل من الاستعداد لحب أقوى وأعلى وأوسع. ما ألطف من قال: ياميّ عيدك يوم ** وأنتِ عيد الزمان ما أغرب ماتفعله كلمة واحد في بعض الأحيان، أنها تحوّل الذات الخفيه فينا من الكلام إلى السكوت .. تقولين أنك تخافين الحب ! لماذا تخافينه ؟ أتخافين نور الشمس ؟ أتخافين مدّ البحر ؟ أتخافين طلوع الفجر ؟ أتخافين مجيء الربيع ؟ لماذا ياترى تخافين الحب ؟ أنا أعلم أن القليل في الحب لايرضيكِ، كما أعلم أن القليل في الحب لايرضيني، أنتِ وأنا لا ولن نرضى بالقليل، نحن نريد الكمال .. الكثير .. كل شيء ! لاتخافي الحب يارفيقة قلبي، علينا أن نستسلم إليه رغم مافيه من الألم والحنين والوحشة، ورغم ما فيه من الألتباس والحيرة .. جبران ارتاحت مي لهذه اللهجة، وتشجعت على مداعبته في الحديث، والأفضاء إليه بخوالج نفسها وهمومها .. كان همها أن يبقى جبران حبيبها الأوحد لتدوم تلك الشعلة الزرقاء منهلاً للنعيم والنور في حياتها .. أضحت مي شديدة القلق على صحة جبران في سنوات عمره الأخيره كما يبدوا جلياً في رسائله إليها، وقد وصف جبران أسلوبها ورسائلها فقال انها ... ( كالنهر الرحيق الذي يتدفق من الأعالي ويسير مترنماً في وادي احلامي، بل كقيثارة التي تقرّب البعيد وتُبعد القريب، وتحوّل بارتعاشاتها السحرية الحجارة إلى شعلات متقّدة، والأغصان اليابسة إلى أجنحة مضطربة ) ربما يكو ن أهل مي وبعض المقربين منها قد أطلعوا على صلتها بجبران في حياتها، ولكن المرجّح انها كانت حريصة على اخفائها عن الناس جميعاً، وأبقتها سراً دفيناً في نفسها حتى ذلك اليوم الذي فجعت بموته عام 1931م، فبعد انقضاء شهر على وفاته اعترفت ميّ لقرائها بوجود مراسله طويله بينها وبين جبران وذلك في مقالة (جبران خليل جبران يصف نفسه في رسائله) ضمتها فقرات قصيرة من رسائله اليها، وعبرت عن حزنها العميق عليه مصّورة غربتها وغربته في الوجود بعبارات موجعة قالت فيها: "حسناً فعلت بأن رحلت ! فاذا كان لديك كلمه أخرى فخير لك أن تصهرها وتثقفّها، وتطهرها لتستوفيها في عالم ربما يفضل عالمنا هذا في أمور شتى" .. وفي ختام تلك القطعه الوجدانية المؤثرة الفائضة بالحب واللوعة واليأس، أعربت ميّ عن شوقها للرحيل، ولكن مشيئة الخالق فرضت عليها ان تعيش بعد جبران عشر سنوات تقريباً كانت أسوأ مرحلة في حياتها، فقد أستبد بها الحزن .. وعاشت في غمرة الأحزان تمزّقها الوحدة والوحشة بعد فقده، أصيبت بانهيار عصبي، تبعه انهيار في صحتها، فاعتزلت الناس، أرسلت الى قريب لها في بيروت دكتور جوزيف زياده رساله مؤثرة وصفت الآمها وتردّي صحتها، تلك المحنة قادتها الى لبنان موطنها الأصلي وأدخلتها ظلماً الى مصح الأمراض العقلية .. مما طعنها في كرامتها، و قضت ثلاث سنوات متنقلة بين ( العصفورية ) كما يسمونها، ومصح دكتور بيريز وبين بيت متواضع، الى أن هبّوا اقرب الناس اليها لأنقاذها، وعادت الى القاهرة عاشت سنتين ونصف، الى أن ذوت شيئاً فشيئاً، فتوفيت عام 1941م . وماهو جدير بالذكر ان مي عندما كانت في لبنان اصطحبت رسائل جبران معها، وكانت تلجاً اليها على انفراد، حين يشفّها الوجد، وصورة لجبران كتبت بخطها الى جانب الصورة ... ( وهذه مصيبتي منذ أعوام ). يتبع ...
__________________
|
|
#6
|
||||
|
||||
|
1- من مي إلى جبران صديقي جبران لقد توزع في المساء بريد أوروبة وأمريكة , وهو الثاني من نوعه في هذا الأسبوع , وقد فشل أملي بأن تصلني فيه كلمة منك . نعم إني تلقيت منك في الأسبوع الماضي بطاقة عليها وجه القديسة حنة الجميل , ولكن هل تكفي الكلمة الواحدة على صورة تقوم مقام سكوت شهر كامل . ... لا أريد أن تكتب إلي إلا عندما تشعر بحاجة إلى ذلك أو عندما تنيلك الكتابة سرورا , ولكن أليس من الطبيعي أن أشرئب إلى أخبارك كلما دار موزع البريد على الصناديق يفرغ فيها جعبته ! .. أيمكن أن أرى الطوابع البريدية من مختلف البلدان على الرسائل , حتى طوابع الولايات المتحدة وعلى بعضها اسم نيويورك واضح , فلا أذكر صديقي ولا أصبو إلى مشاهدة خط يده ولمس قرطاسه . ... ولتحمل إليك رقعتي هذه عواطفي فتخفف من كآبتك إن كنت كئيبا , وتواسيك إن كنت في حاجة إلى المواساة , ولتقوك إذا كنت عاكفا على عمل ولتزد في رغدك وانشراحك إذا كنت منشرحا سعيدا . مي زيادة 11 آذار 1925
__________________
|
|
#7
|
||||
|
||||
|
2- من جبران إلى مي لقد أعادت رسائلك إلى نفسي ذكرى ألف ربيع وألف خريف وأوقفتني ثانية أمام تلك الأشباح التي كنا نبتدعها ونسيرها مركبا إثر مركب .. تلك الأشباح التي ما ثار البركان في أوروبا حتى انزوت محتجة بالسكوت , وما أعمق ذلك السكوت وما أطوله ! . هل تعلمين يا صديقتي بأني كنت أجد في حديثنا المتقطع التعزية والأنس والطمأنينة , وهل تعلمين بأني كنت أقول لذاتي , هناك في مشارق الأرض صبية ليست كالصبايا , قد دخلت الهيكل قبل ولادتها ووقفت في قدس الأقداس فعرفت السر العلوي الذي اتخذه جبابرة الصباح ثم اتخذت بلادي بلادا لها وقومي قوما لها . هل تعلمين بأني كنت أهمس هذه الأنشودة في أذن خيالي كما وردت على رسالة منك ولو علمت لما انقطعت عن الكتابة إلي , وربما علمت فانقطعت وهذا لا يخلو من أصالة الرأي والحكمة . جبران خليل جبران 9 شباط 1919 يتبع ...
__________________
|
|
#8
|
||||
|
||||
|
قالت الكاتبة مي زيادة: (أتمنى أن يأتي بعدي.. بعد موتي من ينصفني ويستخرج من كتاباتي الصغيرة المتواضعة ما فيها من روح الإخلاص والصدق والحمية والتحمس لكل شيء حسن وصالح وجميل لأنه كذلك لا عن رغبة في الانتفاع به). تلكم هي الكلمات التي نطقت بها المبدعة مي زيادة التي ارتاد صالونها الأدبي أهم كُتّاب ومفكري وساسة النصف الأول من القرن العشرين، فالكاتبة مي بمؤلفاتها وشخصيتها ذات الحضور كانت محور دراسات كثيرة عنها.. فما أكثر ما كتب عن فنها وكتاباتها، وعن صالونها الأدبي لشخصيتها وجاذبيتها وثقافتها التي من أجلها كانت موضع تقدير واحترام الجميع. وقد تحدث كتاب (جنون امرأة) للكاتب خالد غازي عن مولدها ونشأتها وثقافتها منذ مولدها في الناصرة بفلسطين إلى حضورها مع والدها إلى القاهرة ودورها في الحياة الثقافية المصرية، بما ألفته من كتب، بالإضافة إلى صالونها الأدبي الذي كان يتردد عليه كبار أدباء مصر ومفكريها. ويبدو أن شخصية مي زيادة كانت شخصية قوية آسرة، بدليل تلك الدراسات الكثيرة التي تناولت حياتها ودورها في الحياة المصرية، وركزت معظم الدراسات على الذين هاموا بها حباً.. قالوا: (إن العقاد أحبها)، وقالوا: إن لطفي السيد كان شديد الإعجاب بها، وكذلك مصطفى صادق الرافعي والشاعر إسماعيل صبري، ولكنها لم تحب حباً حقيقياً إلا إنساناً لم تره طوال حياتها وهو جبران خليل جبران، والدليل على ذلك (رسائلهما المتبادلة) التي تفيض حباً وشوقاً ومصارحة. صحيح أن جبران كانت له قصص مع سيدات قبل مي، وكان يعاني من آلام الوحدة والقلق النفسي الذي لا يدري كنهه، ولكن عندما صدر كتابه (الأجنحة المتكسرة) عام 1913هـ، أهدى نسخة منه (لمي) فقرأته بمنظور الأديبة والناقدة، وانتقدت (مي) جبران في مفهومه للزواج، حيث تقول في إحدى رسائلها (إننا نتفق في موضوع الزواج يا جبران، أنا أحترم أفكارك وأجل مبادئك؛ لأنني أعرفك صادقاً في تعزيزها، مخلصاً في الدفاع عنها، وكلها ترمي إلى مقاصد شريفة، وأشاركك أيضاً في المبدأ الأساسي القائل (بحرية المرأة).. فمثل الرجل عيب أن تكون المرأة مطلقة الحرية بانتخاب زوجها من بين الشباب متبعة في ذلك ميولها وإلهاماتها الشخصية، لا مكيفة حياتها في القالب الذي اختاره الجيران لها والمعارف، حتى إذا ما انتخبت شريفة لها تقيدت بواجبات عند الزواج تعد المرأة بالأمانة، والأمانة المعنوية تضاهي الأمانة الجسدية أهمية وشأناً). ولا شك أن الرسائل المتبادلة بين جبران خليل جبران ومي زيادة عبارة عن قطع أدبية رائعة.. يَكْتُب لها - مثلاً - بعد نقد (مي) لكتاب (المواكب): (ولقد انصرفت عن كل ما وجدته بانتظاري في هذا المكتب لأصرف نهاري بكامله مصغياً إلى حديثك، ذلك الحديث المتراوح بين العذوبة والتصنيف، وإنني وجدت بعض الملاحظات التي لو سنحت لنفسي الفرصة أن تتألم لتألمت منها، ولكن كيف أسمح لنفسي بالنظر إلى شبه سحابة في سماء صافية مرصعة بالكواكب؟ وكيف أحول عيني عن شجرة الياسمين المزهرة إلى ظل أحد أعضائها؟ وكيف لا أقبل وخزة صغيرة من يد عطرة مفعمة بالجواهر؟. إن حديثنا الذي أنقذنا من سكون خمسة أعوام لا ولن يتحول إلى مناظرة، فأنا أقبل كل ما تقولينه لاعتقادي بأنه يجمل بنا، وسبعة آلاف ميل تفصلنا، إلا نضيف إلى هذه المسافة الشاسعة متراً واحداً، بل أن نحاول تقصيرها بما وضعه الله فينا من الميل إلى الجميل، والشوق إلى المنبع، والعطش إلى الخالد. يكفينا ما في الأيام والليالي من الدموع والأوجاع والمتاعب والمصاعب. إن مَنْ يستطيع الوقوف أمام المجرد المطلق لا يلتفت إلى كلمة جاءت في كتاب أو ملاحظة أتت في رسالة. إذاً، لنضع خلافاتنا - وأكثرها لفظية - في صندوق من الذهب، ولنرم بها إلى بحر من الابتسامات. ما أجمل رسالتك يا مي وما أثمرها، فهي مثل نهر من الرحيق يتدفق من الأعالي ويسير مترعاً في وادي أحلامي، بل هي كالأوتار). ومن الرسائل الجميلة التي أرسلتها مي إلى جبران تلك التي تقول فيها: ( أريد أن تساعدني وتحميني وتبعد عني الأذى، ليس بالروح فقط، بل بالجسد أيضاً، أنت الغريب الذي كنت لي - بداهة وعلى الرغم منك - أباً وأخاً ورفيقاً, وكنت لك أنا الغربية - بداهة وعلى الرغم مني - أماً وأختاً، حدثني عنك وعن صحتك، واذكر عدد ضربات قلبك، وقل لي رأي الطبيب، افعل هذا، ودعني أقف على جميع التفاصيل كأني قريبة منك، أخبرني كيف تصرف نهارك، أتوسل إليك أن تتناول الأدوية المقوية مهما كان طعمها ورائحتها، فمن هذه المقويات ما هو ضروري كل الضرورة، مفيد كل الإفادة، وكل ما تفعله لوقاية نفسك أحسبه أنا لك، يداً علي، وأشكرك لأجله لكل ما في قلبي من صداقة ومودة. أرسل لي سطراً أو سطرين من أخبارك بلا اجتهاد ). إذ كان جبران يشكو من علة في قلبه، ويتمنى جبران لو كان في مصر حتى يكون قريباً من مي. يقول في إحدى رسائله ( هذا لو كنت مريضاً في مصر، حبذا لو كنت مريضاً بدون نظام في بلدي، قريباً من الذين أحبهم، أتعلمين (يا مي) أني في كل صباح ومساء أرى ذاتي في منزلي في ضواحي القاهرة، وأراك جالسة أمامي تقرئين آخر مقالة كتبتها، وآخر مقالة من مقالاتك لم تنشر بعد ). ومن المعروف أن مي زيادة أرسلت إليه ليزور مصر، فقالت في إحدى رسائلها ( تعال يا جبران وزرنا في هذه المدينة (القاهرة)، فلماذا لا تأتي وأنت فتى هذه البلاد التي تناديك )، و لكن جبران لم يلب النداء. هذا، وكان صالون (مي) يمتلئ بكبار رجال عصرها من الصحفيين والكُتّاب والأدباء والشعراء، وكان كل واحد من رواد هذا الصالون يتصور أن (مي) تكن له عاطفة خاصة، ولعل أجمل تصوير لهذه الندوات وما كان يدور بها ما كتبه العقاد الذي كانت بينه وبين (مي) رسائل متبادلة.. إنه يصف هذه الندوة ومن يحضرها من هؤلاء الصفوة بقوله: (ولكل منهم أسلوبه في تعبيره داخل هذا الإطار من التحية.. لطفي السيد وأسلوب الجنتلمان، وعبدالعزيز فهمي وأسلوب الصمت والخجل، وكأنه الصبي في مجلس الفتيات القريبات، وأنطون الجميل وأسلوب بائع الجواهر في معرض الهوانم، وشلبي شعيل وأسلوب المصارع في حلبة الفكر والشعور، وخليل مطران وأسلوب مولير على غير التمثيل، وسليم سركيس وأسلوب الدعاية للبيوتات في صالون من أشهر صالونات البيوتات، ومصطفى صادق الرافعي وأسلوب المفاجآت بالكتابة الذي يفي الاطلاع عليها من السماع، واسماعيل صبري وأسلوب الشعر الذي يعلم أن حق الغزل الصريح أولى بالرعاية من حق الكتابة والتصحيح، وأحمد شوقي وأسلوب الإيحاء من بعيد، وعليه تعليق الفيلسوف المعجب بالطرفين). ورغم كل المعجبين إلا أن (مي) كانت تحب جبران.. ولا ننسَ أنه عندما تناهى إلى سمعها رحيل جبران فقدت آخر أمل لها في الحياة * فأصيبت بالوساوس التي انتهت بها إلى عالم بعيد عن عالم العقلاء. ولا شك أن (مي زيادة) كانت صورة حية للإنسان في لحظات قوته، ولحظات ضعفه، في تألقه وفي أفوله، في تطلعه إلى الغد المشرق وفي تهاويه عندما تقلب الحياة له (وجهها). ولقد عاشت مي على القمة وهبطت إلى السفح، لكنها تركت فراغاً من الصعب أن يزول. وسيلة محمود الحلبي صحفية و كاتبة و شاعرة فلسطينية * لا اتفق مع الكاتبة و سيلة الحلبي في أن مي زيادة اصابتها الوساوس، فكل قراءاتي السابقة تؤكد بأنها اصيبت بالإكتئاب فقط، و انها أُدخلت العصفورية ظلماً، الى ان اخرجها منه اصدقائها المقربين. ميرفت بربر يتبع ...
__________________
|
|
#9
|
||||
|
||||
رسائل أدبية .. جبران ومي
من جبران الى مي عزيزتي الآنسة ميّ. رجعت اليوم من سفره مستطيلة إلى البرية فوجدت رسائلك الثلاث والمقال الجميل الذي تفضلت بنشره في جريدة المحروسة . ولقد علمت من خادمي أن هذه الرسائل بل هذه الثروة الجليلة قد وصلت معاً منذ أربعة أيام . الظاهر أن البريد المصري قد توقف عن اصدار الرسائل من القطر مثلما حجز الرسائل الواردة إليه . ولقد انصرفت عن كل ما وجدته بانتظاري في هذا المكتب لأصرف نهاري مصغياً إلى حديثك الذي يتمايل بين العذوبة والتعنيف – أقول التعنيف لأنني وجدت في رسالتك الثانية بعض الملاحظات التي لو سمحت لنفسي الفرحة أن تتألم لتألمت منها . ولكن كيف اسمح لنفسي النظر إلى شبه سحابة في سماء صافية مرصعة بالنجوم ؟ وكيف أحول عيني عن شجرة مزهرة إلى ظلّ من أغصانها ؟ وكيف لا أقبل وخزة صغيرة من يد عطرة مفعمة بالجواهر ؟ إن حديثنا الذي أنقذناه من سكوت خمسة أعوام لا ولن يتحول إلى عتاب أو مناظرة , فأنا أقبل بكل ما تقولينه لاعتقادي بأنه يجمل بنا وسبعة آلاف ميل تفصلنا ألا نضيف فتراً واحداً إلى هذه المسافة الشاسعة بل أن نحاول تقصيرها بما وضعه الله فينا من الميل إلى الجميل والشوق إلى المنبع والعطش إلى الخالد . يكفينا يا صديقتي ما في هذه الأيام وهذه الليالي من الأوجاع والتشويش والمتاعب والمصاعب . وعندي أن فكرة تستطيع الوقوف أمام المجرد المطلق لا تزعجها كلمة جاءت في كتاب أو ملاحظة أتت في رسالة. إذا فلنضع خلافاتنا , وأكثرها لفظية – في صندوق من ذهب ولنرمي بها إلى بحر من الابتسامات . ما أجمل رسائلك يا ميّ وما أشهاها , فهي كنهر من الرحيق يتدفق من الأعالي ويسير مترنماً في وادي أحلامي , بل هي كقيثارة اورفيوس ( شاعر وموسيقي تحدثت عنه أساطير اليونان , سحر بأنغامه وحش الغاب وآلهة الجحيم .) تقرب البعيد وتبعد القريب وتحول بارتعاشاتها السحرية الحجارة إلى شعلات متقدة والأغصان اليابسة إلى أجنحة مضطربة . إن يوماً يجيئني منك برسالة واحدة لهو من الأيام بمقام القمة من الجبل فما عسى أن أقول في يوم يجيئني بثلاث رسائل ؟ ذلك يوم انتحى فيه عن سبل الزمن لأصرفه متجولا في إرم ذات العماد. وبما أجيب على سؤالاتك؟ وكيف أستطيع متابعة الحديث وفي النفس مالا يسيل مع الحبر ؟ ولكن لا بد من متابعة الحديث . فما بقي صامتاً ليس بالغير مفهوم لديك . تقولين في رسالتك الأولى " لو كنت أنا في نيويورك لكنت زرت مكتبك الفني في هذه الأيام " أفلم تزوري مكتبي قط ؟ أليس رواء أثواب الذكرى الظاهرة جسد خفي للذكرى ؟ انما مكتبي هيكلي وصديقي ومتحفي وجنتي وجحيمي . هو غاب تنادي فيه الحياة الحياة وهو صحراء خالية أقف في وسطها فلا أرى سوى بحر من رمال وبحر من أثير . إن مكتبي يا صديقي هو منزل بدون جدران وبدون سقف . ولكن في مكتبي هذا أشياء كثيرة أحبها وأحافظ عليها . أنا مولع بالآثار القديمة وفي زوايا هذا المكتب مجموعة صغيرة من طرائف الأجيال وبعض نفائسها كتماثيل وألواح مصرية ويونانية ورومانية وزجاج فينيقي وخزف فارسي وكتب قديمة العهد ورسوم ايطالية وفرنسية وآلات موسيقية تتكلم وهي صامتة . ولا بد من الحصول يوما ما على تمثال كلداني من الحجر الأسود . إني أميل بكليتي إلى كل شيء كلداني فأساطير هذا الشعب وشعره وصلواته وهندسته بل وأصغر أثر أبقاه الدهر من فنونه وصنائعه ينبّه في داخلي تذكارات غامضة بعيدة ويعود بي إلى الماضي الغابر ويجعلني أرى الحاضر من نافذة المستقبل . أحب الآثار القديمة وأشغف بها لأنها من أثمار الفكرة البشرية السائرة بألف قدم من الظلام نحو النور – تلك الفكرة الخالدة التي تغوص بالفن إلى أعماق البحار وتصعد به إلى المجرة . أما قولك " ما أسعدك أنت القانع بفنك " فقد جعلني أفتكر طويلاً , لا يا ميّ لست بقانع ولا أنا بسعيد . في نفسي شيء لا يعرف القناعة ولكنه ليس كالطمع , ولا يدري ما السعادة غير أنه لا يشابه التعاسة . في أعماقي خفقان دائم وألم مستمر ولكنني لا أريد ابدال هذا ولا تغيير ذاك – ومن كان هذا شأنه فهو لا يعرف السعادة ولا يدري ما هي القناعة ولكنه لا يشكو لأن في الشكوى ضرباً من الراحة وشكلاً من التفوق . وهل أنت سعيدة وقانعة بمواهبك العظيمة ؟ أخبريني يا ميّ هل أنت قانعة وسعيدة ؟ أكاد أسمعك هامسة : " لا لست بقانعة ولا أنا بسعيد " إن القناعة هي الاكتفاء والاكتفاء محدود وأنت غير محدودة . أما السعادة فهي أن يملأ المرء نفسه من خمرة الحياة ولكن من كان كأسه سبعة آلاف فرسخ بالطول و سبعة آلاف فرسخ بالعرض لا ولن يعرف السعادة حتى تنسكب الحياة بكاملها في كأسه . أفليس كأسك يا ميّ سبعة آلاف فرسخ وفرسخ ؟.. وماذا أقول عن " جوي المعنوي؟" لقد كانت حياتي منذ عام أو عامين لا تخلو من الهدوء والسلامة أما اليوم فقد تبدل الهدوء بالضجيج والسلامة بالنزاع . إن البشر يلتهمون أيامي ولياليّ ويغمرون أحلامي بمنازعهم ومراميهم فكم مرة هربت من هذه المدينة الهائمة إلى مكان قصيّ لأتخلص من الناس ومن أشباح نفسي أيضاً . إنما الشعب الأماركي جبار لا يكل ولا يمل ولا يتعب ولا ينام ولا يحلم , فإذا بغض هذا الشعب رجلا قتله بالإهمال وإذا أحبه قتله بالانعطاف فمن شاء أن يحيى في نيويورك عليه أن يكون سيفاً سنيناً ولكن في غمد من العسل : السيف لروع الراغبين في قتل الوقت والعسل لارضاء الجائعين ! وسوف يجيء يوم أهرب فيه إلى الشرق . إن شوقي إلى وطني يكاد يذيبني ولولا هذا القفص الذي حبكت قضبانه بيدي – لاعتليت متن أول سفينة سائرة شرقاً . ولكن أي رجل يستطيع أن يترك بناءً صرف عمره بنحت حجارته وصفّها ؟ حتى وإن كان ذلك البناء سجناً له فهو لا يقدر أو لا يريد أن يتخلص منه في يوم واحد . سامحيني أيتها الصديقة العزيزة فقد أزعجتك بالكلام عن نفسي وبشكواي من أمور أدعى إلى الجهاد منها إلى التذمر . إن استحسانك " المواكب" قد جعلها عزيزة لديّ . أما قولك بأنك ستستظهرين أبياتها فمنّة أحني أمامها رأسي , غير أنني أشعر بأن حافظتك خليقة بقصائد أسمى وأبلغ وأنبل من كل ما جاء في المواكب , بل ومن كل ما كتبته وأكتبه . وأما قولك في رسوم الكتاب " أنتم أهل الفن تبرزون هذه البدائع بقوى أثيرية احتفظتكم عليها ملوك الجوزاء فنأتي بغباوتنا أشقياء مظلومون ونحن بها أشقياء خاسرون " فكلام لا أقبله بل إني استميحك بالتمرد عليه و ( ما أكثر تمردي) – أنت يا ميّ منا وفينا . بل وأنت بين بنات الفن وأبنائه كالوردة بين أوراقها . إن ما جاء في مقالتك التي نشرت في " المحروسة" عن رسوم المجنون لأكبر دليل على شعور فني عميق وفكرة خاصة دقيقة وبصيرة نفاذة ترى ما لا يراه غير القليل من الناس . ولست بمبالغ إذا قلت بأنك أول صبية شرقية مشت في غابة " الأخوات التسع ( إشارة إلى الآلهات التسع في الميثولوجيا الاغريقية المشرفات على الآداب والفنون وقد عرفن بأسماء عديدة في عصور التاريخ القديم .) بقدم ثانية ورأس مرفوع وملامح منفرجة كأنها في بيت أبيها . ألا فأخبريني كيف عرفت كل ما تعرفين وفي أي عالم جمعت خزائن نفسك وفي أي عصر عاشت روحك قبل مجيئها إلى لبنان ؟ إن في النبوغ سراً أعمق من سر الحياة . وأنت تريدين أن تسمعي ما يقوله الغربيون عني , فألف شكر لك على هذه الغيرة وهذا الاهتمام القومي . لقد قالوا الشيء الكثير وكانوا مبالغين في أقوالهم متطرفين في ظنونهم متوهمين وجود الجمل في وكر الأرنب . ويعلم الله يا صديقتي بأنني ما قرأت شيئاً حسناً عني إلا ونحت في قلبي . إن الاستحسان نوع من المسؤولية يضعها الناس على عواتقنا فتجعلنا نشعر بضعفنا . ولكن لا بد من المسير حتى ولو قوّص الحمل الثقيل ظهورنا , ولا بد من استنباط القوة من الضعف . أنا باعث إليك في غلاف آخر بشيء من أقوال الجرائد والمجلات وستعلمين منها أن الغربيين قد ملوا أشباح أرواحهم وضجروا من ذواتهم فأصبحوا يتمسكون بالغريب الغير مألوف خصوصاً إذا كان شرقياً . هكذا كان الشعب الأثيني بعد انقضاء عصره الذهبي . لقد بعثت منذ شهر أو أكثر بمجموعة من أقوال الصحف في المجنون إلى اميل زيدان ( تولى رئاسة تحرير مجلة الهلال سنة 1914 التي أسسها والده الأديب العلامة جرجي زيدان .) وهو بالطبع من أصدقائك . أحمد الله وأشكره على انقضاء الأزمة عندكم . ولقد كنت أقرأ أخبار تلك المظاهرات فأتخيلك هائبة فأهاب , مضطربة فاضطرب . ولكنني كنت أردد في الحالين قول شكسبير : Do not fear our person . There’s such divinity doth hedge a king That treason can but peep to what it would Acts little of his will . لا تخافي منا فالملك تحيط به هالة من القداسة وليس في مقدور الخيانة أن تبلغ ما ترمي إليه أو تحد من عزيمته وأنت يا ميّ من المحروسين وفي نفسك مَلَكٌ يحميه الله من كل مكروه . وتسألين ما اذا كان لكم من صديق في ربوعنا ؟ أي والحياة وما في الحياة من حلاوة جارحة ومرارة مقدسة إن لكم في ربوعنا صديقاً إرادته تدافع عنكم ونفسه ترغب في الخير لكم وابعاد السوء عنكم وتحميكم من كل أذى . وقد يكون الصديق الغائب أدنى وأقرب من الصديق الحاضر . أفليس الجبل أكثر هيبة وأشد وضوحاً وظهوراً لسائرٍ في السهل منه لساكنيه ؟ ها قد غمر المساء هذا المكتب بوشاحه فلم أعد أرى ما تخطه يدي . وألف تحية لك وألف سلام عليك والله يحفظك ويحرسك دائماً . صديقك المخلص جبران خليل جبران نيويورك حزيران – 1919
__________________
|
![]() |
| أدوات الموضوع | |
| طرق مشاهدة الموضوع | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| بين جبران خليل جبران وباراك أوباما | الدكتور امين الزاوي-الجزائري- | جناح الدراسات الأدبية والنقدية | 3 | 12-03-2012 04:04 AM |
| لماذا انهزم جبران خليل جبران والمسعدي امام الفقيه؟ | الدكتور امين الزاوي-الجزائري- | جناح الدراسات الأدبية والنقدية | 2 | 10-04-2012 12:29 AM |
| جبران خليل جبران .. هكتور إن أبطأ شكري فما | ميرفت بربر | جبران خليل جبران | 1 | 07-16-2011 01:54 PM |
| جبران خليل جبران .. هل بين أضلاعك من خافق | ميرفت بربر | جبران خليل جبران | 1 | 07-16-2011 01:46 PM |
| وابعض نحبهم - حبران خليل جبران! | نقولا صايغ | جبران خليل جبران | 0 | 06-04-2011 06:43 AM |